أنت هنا

صحة الأم

منذ عام 1990، وحتى تم تقدير أهداف الألفية الإنمائية في 2015، شهد العالم انخفاضاً في معدل وفيات الأمهات بنسبة 44 بالمئة – وهو إنجاز هائل. ولكن على الرغم من هذه المكاسب، ما زالت تتوفى ما يقرب  من  800 امرأة يومياً لأسباب تتعلق بالحمل أو الولادة، حوالي ثلثيهن في سياقاتٍ إنسانية وهشة. يعني هذا وفاة امرأة كل دقيقتين أغلبهن لأسباب كان من الممكن تفاديها. ولكل امرأة تتوفى، تنجو الكثيرات ولكن بعواقبٍ وخيمة وبعيدة المدى كان من الممكن تفاديها تماماً.

إن جعل الأمومة آمنة من الضرورات الحتمية لحقوق الإنسان وتقع في صلب اختصاصات صندوق الأمم المتحدة للسكان. من أجل تحقيق النتيجة التنموية الاستراتيجية للصندوق وهى "إنهاء وفيات الأمهات التي من الممكن تفاديها"، يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان حول العالم مع الحكومات وخبراء الصحة والمجتمع المدني لتدريب الكوادر المتخصصة من العاملين بقطاع الصحة وتحسين إتاحة الأدوية الأساسية ووسائل تنظيم الأسرة الحديثة وخدمات الصحة الإنجابية، وتعزيز النظم الصحية ونشر المعايير الدولية لصحة الأمهات.

يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان في المنطقة العربية مباشرة مع نظرائه على المستوى الوطني من أجل تحسين برمجة رعاية الأمهات وإعداد السياسات وتنفيذها؛ وتعزيز النظم الصحية. ليس فقط من خلال الدعم المباشر للدولة ولكن كذلك من خلال الشراكات الإقليمية والهيئات الحكومية الدولية مثل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومفوضية الاتحاد الأفريقي.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، في عام 2019، قام صندوق الأمم المتحدة للسكان بدعم جامعة الدول العربية في إعداد الإستراتيجية العربية متعددة القطاعات لصحة الأمهات والأطفال والمراهقات  (2019-2030).

طفرات ملحوظة ولكن غير كافية

يمكن تفادي أغلب وفيات الأمهات. ووفقًا لتقرير حالة سكان العالم لعام 2019، فقد قُدر بأن 215000 امرأة قد توفت لأسباب تتعلق بالحمل أو الولادة. توفت أغلبهن بنزيف حاد وتسمم الدم وتسمم الحمل وتعسر الولادة – كلها أسباب يوجد لها تدخلات شديدة الفعالية. غير أن المأساة لا تتوقد عند هذا الحد: فعند وفاة الأمهات، تصبح أسرهن أكثر ضعفًا ويصبح أطفالهن أكثر عرضة للموت قبل بلوغ عامهم الثاني.

لكن خفض تلك المعدلات يمكن أن يحدث وبشكلٍ ملحوظ، وهو ما حدث بالفعل على أرض الواقع. حيث انخفض معدل وفيات الأمهات في منطقة الدول العربية من 285 حالة وفاة لكل 100000 ولادة حية في عام 1990 إلى 162 حالة وفاة لكل 100000 ولادة حية على مدار عقدين.

في العديد من الدول العربية – بما فيها مصر والمغرب وعُمان وتونس –انخفض معدل وفيات الأمهات حيث حصلت النساء على تنظيم الأسرة والقبالة الماهرة يدعمها رعاية التوليد في الحالات الطارئة. لكن مازال هناك الكثير مما يجب فعله. فمازالت معدلات وفيات الأمهات مرتفعة بشكل غير مقبول، وبالأخص في المجتمعات الفقيرة. يعد العمل على نجاة الأمهات من الضرورات الحتمية لحقوق الإنسان وإحدى أولويات التنمية. يدعو المؤتمر الدولي للسكان والتنمية وأهداف التنمية المستدامة إلى خفض المعدل العالمي لوفاة الأمهات إلى 70 وفاة لكل 100000 ولادة حية بحلول عام 2030.

الطريقة المثلى لتحقيق هذا الهدف الطموح هي: ضمان حصول جميع النساء على خدمات ووسائل تنظيم الأسرة وتجنب الحمل غير المرغوب فيه؛ وتقديم الرعاية المتخصصة التي تتسم بالاحترام والجودة في بيئة آمنة أثناء الولادة لجميع الحوامل؛ والتأكد من حصول النساء اللاتي تعانين من مضاعفات على رعاية التوليد في الحالات الطارئة ذات الجودة في الوقت المناسب بما يتسق مع الأهداف الاستراتيجية لصندوق الأمم المتحدة للسكان التي تهدف للوصول إلى صفر وفيات الأمهات التي من الممكن تفاديها وصفر لعدم تلبية الحاجة لتنظيم الأسرة.
 

مضاعفات الحمل أو الولادة

مقابل كل امرأة تتوفى لأسباب تتعلق بالحمل، تنجو الكثير منهن ولكن بمضاعفات خطرة، مثل ناسور الولادة. عادة ما تحتاج تلك النساء الناجيات من مثل هذه المضاعفات إلى فترات نقاهة طويلة وقد يواجهن عواقب جسدية ونفسية واجتماعية واقتصادية دائمة. بالرغم من أن هذه المضاعفات غير متوقعة، إلا أن جميعها تقريبُا قابلة للعلاج.

بدون علاج، قد تتسبب هذه الحالات في الوفاة أو الإعاقة أو تؤدي إلى موت المواليد. كما أن تكاليف الرعاية الطبية وفقدان الإنتاجية قد تدفع بالنساء وعائلاتهن إلى الفقر. فعلى سبيل المثال قد يتسبب ناسور الولادة في الإصابة بأمراضٍ مزمنة والعزلة الاجتماعية وتفاقم الفقر.

رعاية ما قبل الولادة

تعد الرعاية السابقة للولادة جزءً هاماً من الرعاية الصحية الأساسية للأمهات. يوصى  بأن تحصل الحوامل على ثماني زيارات رعاية ما قبل الولادة، حيث يمكن للعمالة الصحية المؤهلة أن تتحقق من وجود علامات اعتلال الصحة – مثل النقص الحاد في الوزن والأنيميا أو الإصابة بعدوى – ومتابعة صحة كلٍ من الأم والجنين. أثناء هذه الزيارات، يتم تقديم النصيحة للنساء حول التغذية والنظافة الشخصية لتحسين صحتهن قبل وبعد الولادة. كما أنه من الممكن إعداد خطة للولادة توضح كيفية الوصول للرعاية والتصرف السليم في حالة الطوارئ، بالإضافة إلى تقديم النصيحة حول خيارات تنظيم الأسرة ما بعد الولادة.

لأن هذه الزيارات قد تكون أول تفاعل للمرأة مع النظام الصحي، فهى بمثابة فرصة هامة لتقييم صحتها العامة، وللحديث معها عن صحتها وحقوقها الجنسية والإنجابية. تدرك النساء، في هذه الأوضاع، المنافع الصحية للمباعدة بين الولادات وكيفية تنظيم أسرهن. كما يتم تقديم النصائح لهن حول رعاية حديثي الولادة وأهمية تسجيل الولادة.

مازالت تنشأ أغلب المضاعفات بسبب قلة التحذيرات أو انعدامها فيما بين النساء اللاتي ليس لديهن عوامل خطر. وبينما قد لا تمنع زيارات ما قبل الولادة المضاعفات، فالنساء اللاتي يتلقين رعاية ما قبل الولادة هن الأقرب لأن يلدن بمساعدة من القابلات الماهرات، اللاتي يمكنهن التعرف على هذه المشكلات ومعالجتها. 

القبالة الماهرة 

تعد القبالة الماهرة، بدعم لحالات الطوارئ، أهم التدخلات لضمان الأمومة الآمنة. القابلات الماهرات هن عاملات صحيات مثل الأطباء أو الممرضات، ولديهن مهارات لإدارة عمليات الولادة الطبيعية والتعرف على بداية ظهور المضاعفات. تؤدي هذه القابلات تدخلات ضرورية، ويبدأن بالعلاج ويشرفن على إحالة المضاعفات إلى رعاية الطوارئ. كما أن القبالة الماهرة حيوية لحماية صحة حديثي الولادة حيث أن غالبية وفيات ما قبل الولادة تحدث أثنائها أو في 24-48 ساعة اللاحقة.

تتطلب القبالة الماهرة بيئة تشريعية تمكينية، وكذلك  مساحة نظيفة للولادة بها الإمدادات والمعدات الضرورية، ويجب أن تقدم القابلات الماهرات رعاية تتسم بالاحترام تضع كرامة المرأة الحامل في الاعتبار. لسوء الحظ، يوجد في العديد من البلدان نقص حاد في مقدمي الصحة المدربين بمهارات القبالة. 

رعاية التوليد في حالات الطوارئ 

تعد رعاية التوليد في الحالات الطارئة بالغة الأهمية للحد من وفيات الأمهات. يمكن معالجة جميع الأسباب الرئيسية المباشرة لوفيات الأمهات - كالنزيف وتسمم الدم واضطرابات ارتفاع ضغط الدم والولادة المتعسرة في مرفق صحي مجهز جيداً بالعاملين والمعدات. في مثل هذه الأوضاع، يمكن أيضا إنقاذ العديد من المواليد الجدد المصابين بالاختناق أو العدوى.

في حالة المضاعفات، يجب أن تتاح لكل النساء والمواليد إمكانية الوصول السريع إلى مرافق رعاية التوليد في الحالات الطارئة التي تعمل بشكل جيد وتفي بمعايير جودة الرعاية الجيدة. وعلى المدى الطويل، يجب أن تجرى كل الولادات في مرافق مناسبة، كما هو الحال في كل البلدان التي تمكنت من الحد بشكل كبير من وفيات الأمهات.

رعاية ما بعد الولادة

تبدأ رعاية ما بعد الولادة في أول 24 ساعة من الولادة. يمكن أن يحدث نزيف وتسمم الدم واضطرابات ارتفاع ضغط الدم بعد خروج المرأة من المركز الصحي. كما يكون المواليد في غاية الضعف في أعقاب الولادة مباشرة.

يشدد صندوق الأمم المتحدة للسكان على التوصية بزيارات متابعة من قبل الفريق الصحي  لتقييم صحة كل من الأم والطفل في فترة ما بعد الولادة. 

جهود صندوق الأمم المتحدة للسكان

يعد جعل الأمومة أكثر آمنا أولوية قصوى لصندوق الأمم المتحدة للسكان. حيث يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان على كل المستويات لتعزيز تعميم الوصول حول العالم إلى الرعاية والحقوق الجنسية والإنجابية، بما في ذلك من خلال الترويج للمعايير الدولية الخاصة بصحة الأمهات وتقديم الإرشاد والدعم للأنظمة الصحية. 

وفي الدول العربية، تركز البرامج التي يدعمها صندوق الأمم المتحدة للسكان على تنمية القدرات في رعاية الأمهات والقبالة، خاصة في تعزيز الموارد البشرية ورعاية التوليد والرعاية في حالات الولادة الطارئة. من بين برامجه العديدة، يساعد صندوق الأمم المتحدة للسكان في تدريب القابلات، ويدعم منشآت وشبكات رعاية التوليد في الحالات الطارئة ورعاية حديثي الولادة، ويقدم الأدوية الضرورية وخدمات تنظيم الأسرة. كما يدعم صندوق الأمم المتحدة للسكان تقصي  وفيات الأمهات وأنظمة الاستجابة التي تساعد المسؤولين على فهم كيفية وفاة العديد من النساء وأسباب ذلك وكيفية الاستجابة، مما يضمن إدماج الأدلة الناتجة عن دراسات قوية في تطوير السياسات والنظم. في عام 2017/ 2018، قاد صندوق الأمم المتحدة للسكان تقييما ضم عدة بلدان حول أنظمة تقصي  وفيات الأمهات والاستجابة لها في المنطقة ونشر الأدلة الناتجة على كل الدول العربية. والهدف هو إعلام السياسات والبرامج الوطنية وبناء نهج قائم على حقوق الإنسان يدمج أبعاد كل من الجودة والمساءلة. 

وإدراكاً منه لارتفاع وفيات الأمهات والأمراض النفاسية خاصة في البلدان الفقيرة والهشة والمتضررة إنسانيا، حيث يقع أكثر من ثلث وفيات الأمهات في العالم، يسعى صندوق الأمم المتحدة للسكان في المنطقة العربية بالإضافة إلى ذلك إلى جعل الحمل والولادة آمنين قدر الإمكان في هذه الأوضاع. تتمثل إحدى المساهمات الرئيسية في تحسين حالة صحة الأمهات في المنطقة في ضمان تنفيذ الحد الأدنى من مجموعة الخدمات الأولية للصحة الجنسية والإنجابية في البلدان المتضررة من الأزمات والنهج المتكامل لمعالجة ناسور الولادة في الإقليم  في البلدان التي تم تسجيل أعلى الحالات بها مثل جيبوتي والصومال والسودان واليمن.