أنت هنا

"الحياة أصبحت سجنا": فتيات سوريات يسلطن الضوء على الصراع والاستضعاف ودورة الانتهاك

دمشق، سوريا – تقول أمل*، مراهقة سورية من القامشلي: "بينما كنت أكبر، كنت أشعر كما لو كان جناحاي  يُقصان ببطء على غير إرادتي، وأن الحياة أصبحت سجنا لا مفر منه.. كان هناك عالم بأسره ينتظرني بالخارج، أصبحت فيه النساء زعيمات وعالمات ومهندسات، بينما أنا كنت حبيسة عالم مختلف. عالم تكون فيه الفتاة  بلا صوت."

 

أمل ليست الوحيدة. فكلماتها ترسم صورة قاتمة تشبه وضع عددا لا يحصى من الفتيات اللاتي يكبرن وسط الأزمة السورية.

ومع اقتراب الصراع من عامه التاسع، يصعب فهم حجم الموت والدمار والتشرد، وينتشر العنف في كل من ساحات المعارك والبيوت.

 

ووفقا للبيانات التي جمعها صندوق الأمم المتحدة للسكان هذا العام، فالعنف القائم على النوع الاجتماعي متفشٍ. فهو يحدث في كل مكان - المنازل والمدارس والأسواق والشوارع – وأصبح يحدد الطريقة التي ترى بها الفتيات الصغيرات مجتمعاتهن ويتفاعلن معهن.

قالت داليا من إدلب: "بعد اندلاع الحرب، كنا نظن أنه يتعين علينا القلق بشأن الطائرات المقاتلة والرصاص، لكننا بدلا من ذلك وجدنا أنفسنا نقلق بشأن التحرش والخطف والاغتصاب. لم نعد نغادر منازلنا. وبعض الفتيات لا يمكنهن الذهاب حتى للمدرسة، لأن أسرهن لن تسمح لهن بذلك. "

تحدثت الفتيات عن معاناتهن وخضوعهن للإدانة المجتمعية واللوم بينما لا يتمتعن إلا بقليل من سلطة اتخاذ القرار في حياتهن. © صندوق الأمم المتحدة للسكان الأردن
تحدثت الفتيات عن معاناتهن وخضوعهن للإدانة المجتمعية واللوم بينما لا يتمتعن إلا بقليل من سلطة اتخاذ القرار في حياتهن. © صندوق الأمم المتحدة للسكان الأردن

ترى الفتيات حريتهن تفلت من بين أيديهن

يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان مع الشركاء المحليين لحماية وتمكين النساء والفتيات المتضررات من الأزمة. ففي الفترة بين كانون الثاني / يناير 2019،  وأيلول / سبتمبر 2019، وصل بخدماته للحد من العنف القائم على النوع الاجتماعي والتصدي له إلى أكثر من 880 ألف من النساء والفتيات السوريات في جميع أنحاء المنطقة، بمن فيهن اللاجئات في البلدان المجاورة.

كما يجمع صندوق الأمم المتحدة للسكان معلومات عن أثر الصراع على النساء والفتيات. وتُظهر العديد من التحليلات الحديثة أن الفتيات يواجهن تحديات كبيرة على مدار حياتهن. فعلى سبيل المثال، تقول الفتيات أن الخوف من الاعتداء يدفع الأسر إلى التضييق على حرياتهن وعلى تطورهن.

 

تتذكر ندى، 14 سنة، قائلة: "بدأ الأمر بنساء عائلتي وأسئلتهن: أين أذهب ومع من أتحدث وطلبن مني ألا ألعب مع أصدقائي بالخارج. ثم بدأت أشعر بمراقبة الغرباء لي وأنا أسير للمدرسة أو وأنا جالسة بالخارج مع صديقاتي. وإذا تحدث معي فتى، أرى الناس ينظرون إلي بعدوانية، كما لو أنني ارتكبت خطأ ما."

الفتيات اللواتي يجازفن بالخروج غالبا ما يتعرضن للشك والاستجواب العدواني. أخبرت فتيات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن غرباء قد فاتحوهن في أمور شخصية مثل الدورة الشهرية والنشاط الجنسي.

تقول لوما، من دمشق: "الأولاد لديهم كل الحرية في العالم، لكننا نحن الفتيات متوقع منا الالتزام بالكثير من القواعد.. إنهم يعاملوننا مثل المجرمين، وليس مثل الأشخاص العاديين."

"إن العديد من الفتيات المراهقات اللاتي نستقبلهن في برامجنا يواجهن صعوبة في التعامل مع نظرائهن الذكور، وذلك بسبب الخوف والشعور بالذنب المغروس فيهن من قبل أسرهن ومجتمعاتهن" هكذا يوضح أحد المتطوعين في مركز الشباب الذي يدعمه صندوق الأمم المتحدة للسكان في مخيم دوميز 1 في العراق. ويضيف قائلا: "إن اختراق هذا الحاجز هو أحد أصعب التحديات التي نواجهها."

تبين المعلومات التي جمعها صندوق الأمم المتحدة للسكان في عام 2019 أن العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يزال متفشيا في حياة النساء والفتيات السوريات. © أليك دوغلاس
تبين المعلومات التي جمعها صندوق الأمم المتحدة للسكان في عام 2019 أن العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يزال متفشيا في حياة النساء والفتيات السوريات. © أليك دوغلاس

زواج الأطفال، "الزواج المتكرر"

رغم وجود زواج الأطفال قبل بدء الصراع، فإن تقييمات صندوق الأمم المتحدة للسكان تبين أن الخوف من العنف والضغوط المالية يدفعان المزيد من الأسر نحو هذه الممارسة. وتعتقد الكثير من الفتيات اللاتي قابلهن صندوق الأمم المتحدة للسكان أن زواج الأطفال أمرا لا مفر منه، بغض النظر عن رغباتهن أو طموحاتهن.

تُعد هذه الممارسة انتهاكا لحقوق الإنسان ومعروفا أنها تسبب سلسلة من الأضرار الإضافية. فمن المرجح أن تترك الفتيات الدراسة بعد زواجهن مما يقلل من أفاق مستقبلهن، كما أنهن يكن أكثر عرضة لـ"حمل المراهقات" الذي يُعرض صحتهن وحياتهن للخطر.

 

كما أن العروس الطفلة أكثرعرضة للعنف المنزلي، وأقل قدرة على الدفاع عن احتياجاتها. وقد أفاد عدد لا يحصى من مديري الحالات في جميع أنحاء المنطقة بأنهم التقوا فتيات سوريات في زيجات انتهاكية قد أصبحن أمهات وهن طفلات.

ويري الخبراء أيضا  أن "الزيجات المتكررة"، هي شكل من أشكال الاستغلال حيث "تتزوج" فيه الفتاة لفترة وجيزة من شخص لتبرير المتاجرة بالجنس.

وأوضحت غيدة، وهي متطوعة في مركز للنساء والفتيات في العراق يعالج الناجيات من الاستغلال الجنسي: "ربما تكون هذه أصعب الحالات التي يجب تتبعها ومعالجتها، لأن مثل هذه الممارسات تتم في تكتم". وأضافت "لقد أصبحت ظاهرة متكررة للعديد من الفتيات في المجتمعات الفقيرة... إنهن إما يُجبرن على الدخول في سلسلة من الزيجات قصيرة الأجل، أو ما هو أسوأ من ذلك، يشاركن على غير رغبتهن في ممارسة الجنس الذي تدعمه الأسرة من أجل لقمة العيش."

وغالبا ما تكون زيجات الأطفال أمرا سريا، إلا أن مقدمي الخدمات هم من يشهدون الخسائر.

عميرة سلام، قابلة من قرداحة، تخبر صندوق الأمم المتحدة للسكان: "عندما تقوم بما أقوم به، ترى كل شيء، ويكون من الصعب على الأسر أن تكذب. أنت تعرف متى تم إجبار فتاة على الزواج وعلى مشاركة سريرها وعلى الولادة ضد إرادتها. لقد رأيت العديد من الفتيات المستعبدات على هذا النحو، حيث تحمل الواحدة منهن وليدها وهي في الـ 13 من عمرها."

 

* تم تغيير الأسماء للحماية والخصوصية